الشنقيطي

326

أضواء البيان

وروى ابن شبة بسند صحيح من طريق عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : سمعت أبي يقول : لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين . لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل ، وغير ذلك من الآثار مرفوعة وموقوفة ، مما يؤكد هذا المعنى من أن قباء اختص بأن : من تطهر في بيته وأتى إليه عامداً وصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة . تنبيه وهنا سؤال يفرض نفسه : لماذا كان مسجد قباء دون غيره ، ولماذا اشترط التطهر في بيته لا من عند المسجد ؟ ولقد تطلبت ذلك طويلاً فلم أقف على قول فيه ، ثم بدا لي من واقع تاريخه وارتباطه بواقع المسلمين والمسجد الحرام أن مسجد قباء له ارتباطات عديدة بالمسجد الحرام . أولاً : من حيث الزمن ، فهو أسبق من مسجد المدينة . ومن حيث الأولية النسبية ، فالمسجد الحرام أول بيت وضع للناس . ومسجد قباء أول مسجد بناه المسلمون . والمسجد الحرام بناه الخليل . ومسجد قباء بناه خاتم المرسلين . والمسجد الحرام كان مكانه باختيار من الله ، وشبيه به مكان مسجد قباء . ومن حيث الموضوعية فالمسجد الحرام مأمناً وموئلاً للعاكف والباد . ومسجد قباء مأمناً ومسكناً وموئلاً للمهاجرين الأولين ، ولأهل قباء فكان للصلاة فيه شدة ارتباط بالمسجد الحرام تجعل المتطهر في بيته والقاصد إليه للصلاة فيه كأجر عمرة . ولو قيل : إن اشتراط التطهير في بيته لا عند المسجد شدة عناية به أولاً ، وتمحيص القصد إليه ثانياً ، وتشبيهاً أو قريباً بالفعل من اشتراط الإحرام للعمرة من الحل ، لا من عند البيت في العمرة الحقيقة ، لما كان بعيداً . فالتطهر من بيته والذهاب إلى قباء للصلاة فيه كالإحرام من الحل والدخول في الحرم للطواف والسعي ، كما فيه تعويض المهاجرين عما فاتهم من جوار البيت الحرام قبل الفتح . والله تعالى أعلم .